حين يصبح التفاؤل مكلفًا

كل طريق لا تتم صيانتها، وكل تأخر في تعزيز شبكة كهرباء

وكل خيار تتخذه الحكومة في ميزانيتها سنتهي دائمًا بالتأثير في تفاصيل حياتنا اليومية، فهي ديون سيكون علينا سدادها عاجلا ام اجلا.

فقد تصمد قنوات المياه المتقادمة بضعة أشهر أخرى، وقد تصمد المحوّلات الكهربائية  كذلك. لكن تأجيل استبدالهما وان اتاح توفير المال اليوم. إلى أنه حينما  يقع العطب ويصبح الإصلاح أمرًا عاجلًا، غالبًا ما سيكون أكثر كلفة، وذلك بعد أن يكون انقطاع الخدمة قد وقع بالفعل.

هذا المسار قد تسلكه المالية العمومية عند مواجهة نفقات غير متوقعة، يكون الخيار ان  نؤجل مشروعًا، أو نؤخر تجهيزًا، أو نلجأ إلى مزيد من الاقتراض. لتظل الحسابات متماسكة لبعض الوقت. لكن الفاتورة لم تختفِ وانما تغيّر موعد استحقاقها فحسب.

ويسمح سعر النفط بفهم هذه الآلية.

ففي إعداد ميزانية 2026، اعتمدت تونس سعرًا للبرميل قدره 63.3 دولارًا. ويُستخدم هذا الرقم لتقدير جزء من فاتورة الطاقة التي ستتحملها الدولة. فإذا ارتفع سعر النفط، ستحتاج الدولة إلى أموال إضافية حتى تحافظ على المستوى نفسه من دعم الأسعار.

ووفق تقديرات وزارة المالية، فإن كل زيادة بدولار واحد في سعر البرميل تعني نحو 164 مليون دينار من النفقات الإضافية سنويًا. وإذا بلغ متوسط سعر النفط 87 دولارًا خلال السنة، فإن الفارق سيقترب من 3.9 مليار دينار.

وهذه ليست الفاتورة النهائية. فحجمها يتوقف أيضًا على سعر صرف الدينار، والكميات التي سيتم شراؤها، والإجراءات التي قد تتخذها الحكومة. لكنها تكفي لإظهار حجم المسألة: فزيادة سعر النفط في السوق العالمية ببضع عشرات من الدولارات يمكن أن تربك حسابات المالية التونسية.

فمن أين ستأتي هذه الأموال؟ يمكن البحث عن موارد إضافية، أو تقليص نفقات أخرى، أو اللجوء إلى الاقتراض. ولكل واحد من هذه الخيارات تبعاته.

وغالبًا ما يكون تأجيل الاستثمار الخيار الأقل ظهورًا. فمشروع لم يبدأ بعد لا يثير الاهتمام نفسه الذي تثيره زيادة ضريبة. كما أن تأجيل أعمال الصيانة لا يؤدي بالضرورة إلى عطب فوري، وهو ما يجعل تأجيلها إلى وقت لاحق أمرًا مغريًا.

لكن الاستثمار يعني أشياء ملموسة: شبكة مياه، وطريقًا، وتجهيزات لمستشفى، ومنشأة كهربائية. وعندما تتدهور هذه المرافق، لا تبقى آثار ذلك محصورة فيها، بل تصل إلى الأسر والمؤسسات. فتعطل الكهرباء في ورشة خاصة يعني خسارة ساعات من العمل، وتأخر تسليم طلبية قد يعني خسارة حريف. ومع الوقت، تؤثر مثل هذه الصعوبات في فرص العمل والدخل.

وهكذا قد نوفر اليوم ما كان يمكن أن يساعد البلاد على تحقيق موارد أكبر غدًا.

والاقتراض يمكن أن يكون استجابة مناسبة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتجهيز سيبقى نافعًا لسنوات طويلة، أو بمواجهة أزمة استثنائية. لكن إذا أصبح الاقتراض وسيلة منتظمة لتمويل النفقات الجارية، فمن المشروع أن نسأل: بأي موارد سنسدد هذا الدين؟ وماذا سيبقى من الأموال التي اقترضناها؟

أما التمويل المباشر من البنك المركزي فلا يلغي المسألة. فإتاحة مزيد من الدنانير للدولة لا تنتج، في حد ذاتها، نفطًا أو سلعًا أو عملة أجنبية لتمويل الواردات. وبحسب الظروف، قد يؤدي ذلك إلى مزيد من الضغوط على الأسعار أو على الدينار. ولذلك ينبغي أن تكون آثاره موضع شرح واضح، إلى جانب ما يتيحه من فوائد فورية.

والنمو الاقتصادي يحتاج بدوره إلى القدر نفسه من الصراحة. فخطة التنمية للفترة 2026-2030 تستهدف نموًا متوسطًا بنحو 4.2% سنويًا. أما خلال النصف الأول من سنة 2026، فقد بلغ النمو 2.4%.

ولا يتعلق الرقمان بالفترة نفسها: فستة أشهر لا تكفي للحكم على خمس سنوات. لكنهما يطرحان سؤالًا: ما الذي سيتيح تسريع النمو؟

أي المصانع ستستثمر؟ وأي المؤسسات ستزيد صادراتها؟ وأي المشاريع ستنطلق أخيرًا؟ الإعلان عن هدف ضروري، لكن توضيح كيفية الوصول إليه لا يقل أهمية.

وتقتضي الإدارة الحذرة أن نحافظ على الطموح، وأن نضع في الوقت نفسه حسابًا لارتفاع محتمل في أسعار النفط، أو لنقص في الموارد، أو لتأخر مشروع ما، وأن نحافظ على الصيانة والتجهيزات التي تعتمد عليها الحياة الاقتصادية.

ويمكن للتونسيين أن يتفهموا تصحيح الميزانية عندما تتغير الظروف. لكنهم يحتاجون إلى معرفة ما الذي تغير، وكم تبلغ كلفته، وما هي الخيارات التي تم اعتمادها.

فالتونسيون يعرفون كيف يتأقلمون: المؤسسات تجد الحلول، والإدارات تدير حالات الطوارئ، والعائلات تعيد ترتيب نفقاتها. لكن لهذه القدرة على الصمود حدودًا.

يساعدنا التفاؤل على المضي قدمًا. لكنه لا ينبغي أن يقودنا إلى ترك المواطنين يتحملون، في النهاية، كلفة ما فضّلنا ألا نستعد له.

بقلم: شكيب بن مصطفى

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115